محمد راغب الطباخ الحلبي
463
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
عند أهل الفن بالتحميل ، وهنا كما ترى المناسبة ظاهرة بين قوله : ( وقد تجلى لنا جمال ساقينا ) وبين قوله : ( إن ليل الصد ولى وهلال السعد هلّا ) . وهذا ولا ريب يكون له أحسن وقع في النفوس وأعظم تأثير فيها . ولا تظن أنه كان ممن يلتزم أن ينشد بعد قوله : ( قم نغنم اللذات إلخ ) ( إن ليل الصد ولى إلخ ) لأن ذلك يحفظ عنه ويقلد فيه ، بل تراه يدخل بعد قوله مثلا : ( قم نغنم اللذات ) إلى شغل آخر على طريقته المتقدمة ، فتراه كالفارس المغوار يصول ويجول في أي ميدان كان بحيث يدع الأفكار حيارى في تصرفاته وسرعة ما تنقلاته وحسن استحضاراته . وكان ينشد في كل محفل ومجتمع ما يناسبه ، فكان ينشد في حلقات الأذكار بما يناسبها من كلام القوم ، وفي الأفراح بما يناسبها ، وربما اقترح عليه أن يكون مجلسه في ذلك اليوم في ذكر الخال ، فكنت تراه يمضي ذلك المجلس في الإنشاد من أناشيد وأشغال فيها ذكر الخال ، وكذا إذا اقترح عليه أن يكون مجلسه في ذكر العيون وهكذا . وكان إذا وجد في عقد نكاح أو حفلات المولد النبوي يستقبل المدعوين حين دخولهم كل واحد على حسب مقامه وصنعته ، فيستقبل العالم بما يناسب العلماء والوجيه بما يناسب الوجهاء والتاجر بما يناسب التجار والشاب بما يناسب الشبان ونقباء الصناعة بما يناسب صناعتهم ، وربما صرح باسم الداخل وأدخله في إنشاده . حدثت عنه أنه كان في عقد ، فدخل رجل يقال له عمر أفندي جابي الحرمين ، فحين دخوله شرع ينشد : يا عمر هذه مكارم * من أتى للرسل خاتم وهو من نشيد أوله : حسبي المختار حسبي * لحماه حادي سربي حبه أمسى نديمي * والشفا من كل كرب ولا تسل هنا عما داخل عمر أفندي والحاضرين من الطرب والسرور ، وكل ذلك كان يأتي به بلا تكلف ولا توقف . وكان يحفظ ما لا يحصى من النظم والنثر والأناشيد فيما يلزم لكل مجتمع ومحفل من